النويري

79

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال المهلَّب بن أبي صفرة : لو لم يكن في الاستبداد بالرأي إلَّا صون السّرّ وتوفير العقل لوجب التمسّك به . وقال بزرجمهر : أردت نصيحا أثق به فما وجدت غير فكرى ، واستضأت بنور الشمس والقمر فلم أستضئ بشئ أضوأ من نور قلبي . وقال علىّ بن الحسين : الفكرة مرآة ترى المؤمن سيئاته فيقلع عنها ، وحسناته فيكثر منها ، فلا تقع مقرعة التقريع عليه ، ولا تنظر عيون العواقب شزرا إليه . وما زال المنصور يستشير أهل بيته حتّى مدحه ابن هرمة بقوله : يزرن امرأ لا يصلح القوم أمره ولا ينتجى [ 1 ] الأدنين فيما يحاول فاستوى جالسا وقال : أصبت واللَّه ! واستعاده ، وما استشار بعدها . قالوا : وعلى المستبدّ أن يتروّى في رأيه ، فكلّ رأى لم تتمخّض به الفكرة ليلة فهو مولود لغير تمام . قال شاعر : إذا كنت ذا رأى فكن ذا أناءة فإنّ فساد الرأي أن تتعجّلا وما العجز إلَّا أن تشاور عاجزا وما الحزم إلا أن تهمّ فتفعلا قال بعض جلساء هارون الرشيد : أنا قتلت جعفر بن يحيى ، وذلك أنّى رأيت الرشيد يوما وقد تنفّس تنفّسا منكرا فأنشدت في إثر تنفّسه : واستبدّت [ 2 ] مرّة واحدة إنما العاجز من لا يستبدّ وممّا مدح به ذوى الرأي قول بعض الشعراء : بصير بأعقاب الأمور كأنّما يخاطبه من كلّ أمر عواقبه وأين مفرّ الحزم منه وإنما مرائي الأمور المشكلات تجاربه

--> [ 1 ] يقال : انتجاه إذا أفضى اليه بسره وخصه به . [ 2 ] كذا في ديوان عمر بن أبي ربيعة المطبوع بليبرج . وفى الأصل « فاستبدت » بالفاء .